السبت، ١٢ جمادى الأولى ١٤٢٩ هـ

في وداعها

عزيزتي هديل،

أعلم كم هي الكلمات صغيرة أمام الموت. كم هي لا تعني شيئا. لكنها كل ما لدي اليوم وأنت ترحلين عن هذه الدنيا. لم نلتقِ يوما، وكنت أتطلع إلى لقاء كان سيكون الأول في جدة، لكن قدّر الله وما شاء فعل. ترحلين مخلفة وراءك قلوبا لن تنساكِ، وبقايا سيخلدها الفضاء الافتراضي إلى الأبد.

الجمعة قبل الماضية جئت إلى مستشفى المدينة الطبية. كنت أعلم أني لن أستطيع رؤيتك أو التحدث إليك، لكن قلبي كان يخفق في صدري بشدة وحسبت أن مجيئي قد يخفف عني. كنت مخطئا. أخذت مكانا خارج غرفتك التي كان يضيئها نور أزرق خافت من تلك الأجهزة التي أحاطت بك، وكنت من نافذة الباب أرى والدك وهو ممسك بالمصحف في يمينه ولسانه يلهج بالذكر والدعاء. لم أقو على التحدث إليه، وبقيت في مكاني ساعة إلا قليلا ثم عدت أدراجي إلى سيارتي لأبكي وحدي.

عرفتك لعامين أو ثلاثة، وكنت أمني نفسي بأني سأعرفك أكثر لأنني اعتقدت دوما أن العمر أمامنا ولا زال فيه من متسع. كنت مخطئا، كالعادة. تناسيت كم هو الإنسان واهن، ضعيف، وقابل للكسر في أي لحظة. ما الذي تبقى لي؟

أتذكرين حين حجبوا مدونتي وكنت أول من نافح عني رغم نقمة الكارهين؟ أتذكرين حين طلبت منك وضع إحدى صور طفولتك فأهديتني تلك السمرة الجميلة مع شخبطتها الخضراء؟ أتذكرين حين حل عيد ميلادي الثالث والعشرين وقلت لي بأنك لا تتقنين التهنئة بأعياد الميلاد ثم منحتني أجمل ما سمعت في تلك المناسبة؟ أتذكرين حين حضرت مسرحيتك التي لم يدعوك إليها، وقلت أني فخور بك وبأبناء وبنات هذه الأرض وأنت التي قلتِ من قبل عنها أنها لا تعرفهم وتتقن إيلامهم واحدا واحدا؟ أتذكرين رسائل تبادلناها، وبسمات تقاسمناها، وإحباطات تشاركناها؟

أريد أن أخبرك أن فؤاد قد استعاد حريته. هو خرج من سجنه ليعود إلى الحياة الفانية فيما أنت تخرجين من سجن الحياة الفانية إلى الفضاء الأرحب. المجموعة التي أنشأتها في Facebook لإطلاق سراحه ستبقى هناك، مثل قصة كتبتها ثم تركتِها ليكتب القدر أسطرها الأخيرة على حين غرة. تماما مثل قصتك أنت يا هديل.

نحن محزونون، لكن ليس على فراقك لهذه الدنيا، فكما قالت ريم: ليس في هذه الدنيا ما يستحق الحزن عليه. نحن محزونون على أنفسنا إذ نكمل أيامنا المعدودة هنا دون بهي حضورك وألقك. عزاؤنا، كما قال باسم، هو أنك قد رحلت عنا ورحت تحلقين في الفردوس الأعلى. تغمدك الله بواسع رحمته وأسكنك فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه لراجعون.

هناك ١٥ تعليقًا:

  1. الكلمات وحدها لا تصف هديل ولا لحظاتها الأخيره من الحياه .. وكأن سيرة حياتها قصه محبوكه .. "ما زال غيابها كأنه حلم"

    عاشت إمرأه عفيفة شريفه وماتت بشرفها بطله محبوبه ..
    نحن لسنا حزناء لأنها ذهبت لمكان أفضل من هذا المكان الفاني .. لكننا حزينون لأن إنسانيه رائعه كإنسانيتها غادرت عالم يحتاج وجودها ..
    مغادرة هديل حكمه لنا جميعاً لنتذكر أن سمو الأخلاق فوق كل شيء هو مايجعل الإنسان عفيف شريف مرضي عليه في الأرض والسماء ..
    هذا مايميز هديل عن بقية البشر .. سمو الخلق والعفاف والترفع عن صغائر الأمور جعل منها روح صافيه نقيه ..
    أحببناها جميعاً .. ونفتقدها كثيراً

    لا تحزن يا أحمد بإذن الله موعدنا الجنه سوياً وسنلتقي بها يوما ما !

    ردحذف
  2. مؤلمه هذه الاحرف يا أحمد ،،

    ..

    ردحذف
  3. رحمها الله،

    حزنت على هديل ولكن حب الجميع لها خفف عني كثيراً، إذا أحب الله عبدا كتب له القبول في الأرض.

    رسالتك نبعت من قلب صادق يا أحمد، فليرحمها الله ويجمعنا بها في الجنان إن شاء الله

    ردحذف
  4. بكيت...
    طهرها الله من ذنوبها وأسكنها الفردوس الأعلى..

    ردحذف
  5. الجميع سيبكيك يا هديل والمعنى واضح فلله درك... أحمد, كلماتك وقعها في القلب لا أدري كيف أخفف على نفسي أو أعزيك فليربط الخالق على قلوبنا. وحده المصحف باستطاعته تخفيف سوط الحزن الذي يعتصر قلبي. أقرأ سورة الحديد الآية 22.... ما أقسى الحياة!

    (Eman)

    ردحذف
  6. الله يسامحك يا أحمد

    كلماتك عذبتني !!!

    اللهم ارحم هديل ،،،، وصبرنا !

    ردحذف
  7. أخي أحمد

    أتصدق ، أن الحياة دائما هكذا لا تدعنا نعيش بسلام ولا تدع حتى السلام يعيش في قلوبنا .. فدائما نحن بين مد وجزر ...

    يا سيدي كلماتك اليوم قد أسقطت على قلوبنا الحزن اشد من موقف الأمس عندما كنا نذرف الدموع ونحن نصافح والدها بين الجموع ... وقد حثي التراب على جسدها الطاهر ...

    عزائنا الوحيد أنها حمامه تكتب على باب الجنة .. فأسأل الله أن لا يحرمها أن تكون حمامة من حمائم الجنة ..

    لا تحزن .. فالقلب عندما يعصف به الحزن لا يخرج منه إلا الألم .. تذكر أنها انتقلت إلى عالم مثالي لا بغضاء فيه ولا حسد ولا غيبه ولا نميمة بل حرية مطلقة .. وتحليق دائم في سماء الخلود

    أبكيتني .. وعلمت أني سوف أبكي عندما قرأت رسالتك على التويتر ...

    محبك ممارس صحي

    ردحذف
  8. رحمك الله يا هديل.
    أبكيتني يا أحمد.

    ردحذف
  9. الله يرحمها .. ويرحمنا ..
    فراقها .. صعب .. شديد المباغتة !!.

    ردحذف
  10. هذه خاطره كتبها أحد أصدقائي عن هديل
    فاجعةُ هديلٍ , أثرت في قلبي كثيراً , لم تُفارقني تلك المشاعر, مشاعرُ القلب النابض بالحياة والآمال, الذي اختاره القدرُ رفيقاً لرب العالمين, لم استطع الهرب.. كانت تبحثُ عن قلم ! .. فكان لها المُراد:

    قُلوبٌ تَنبض , تملأ الحياة إشراقاً , ترسمُ خيوطَ أمالها في طُرقاتها , تعزفُ ألحانها لتَصُمَ أذانها عن حقائقها, تعكسُ بريقاً يُخفي من خلفه نهاية الآمال, موت الأحلام… صورةٌ تُشرق في الأذهان, كُل صباح, عن حُلمٍ نحيا لأجله , نرى نهاية مسارهِ , واقعاً يتجسد , فنندفع إليه , ليستقبلنا واقعُ القدرِ , بأحضان الموتِ , إلى حقيقة الحياة. . .

    ويبقى الحلمُ وحيداً, هائماً, مكلوماً, مُنكباً على وجهه في الطرقات, يعيش في ذكرياتِ صاحبه, بعيداً عن الحياة وآثارها, وأي حياةٍ له بلا روحٍ تسعى إليه ؟ وقلبٍ نابضٍ يملأهُ حياةً ؟ … وفي غمرةِ أفكاره وآلامه وأحزانه, كان بالقرب من قبر صاحبه, فاقترب منه مناجياً منتحباً: لماذا تركتني أيها الصاحب ؟ برحيلك فقدت وجوديَ , يا ليت لي قبراً بجانبك, أرقدُ فيهِ, مُعلناً للعالمين: مُوتُ حِلمكَ .. موتي أنا ! . . .

    يأتيه صوتاً من بين الثرى, مواسياً: لا تحزن يا حلمي العزيز.. لا تأسى يا من كُنت دافعاً لحياتي, ها أنا هُنا, في جنةٍ غنّاء , أراك نابضاً بالحياة, مُشرقاً بالألوان, جعلك الله لي, واقعاً في جنته… ألم تعلم أيها الحُلم, إن الله لا ينتظرُ أن تكتمل في أرضه ؟ وإنما أنت وثوابك تكتملان في جنانه ؟

    لا تبكِ أيها الحُلم , فالقلوب ما زالت تَنبضُ , والإنسان لن يعيش بلا حُلم, فقُم وامتلئ حياةً وأبحث عمّن يحلم بك , وأكمل المسير معه, فما الحياةُ إلا أملٌ وعمل…

    للاطلاع على الموضوع الأصلي
    http://tawqea.wordpress.com/2008/05/21/%d8%a3%d8%ad%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%84%d9%85-%d8%aa%d9%83%d8%aa%d9%85%d9%84/

    ردحذف
  11. كلمات مؤثرة ومؤلمة جدا
    :'(
    يارب ارحمها واغفرلها
    اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة
    :(

    ردحذف
  12. كلمات رائعه..

    اللهم ارحمها واغفرلها واوسع مدخلها..

    مر اسبوع على فراقك..ومازلت الألسن تلهج بالدعاء لك..

    فأنت كنت ومازلت بيننا..بمدونتك الباقيه..بذكرك الطيب..بكل حرف احترق على باب الجنه..

    انالله وانا اليه راجعون..

    ردحذف
  13. أهلا احمد.
    عظم الله اجر الجميع.
    كنت قد علمت بالصدفة بمرض هديل من مدوّنة الأخت عايشة القصيّر. كان ذلك منذ أيّام. فدعوت الله لها بالعافية والشفاء وبأن يطمْئن أهلها ومحبّيها عليها.
    وبعد ذلك انصرفت إلى بعض شئوني ومشاغلي وأصبحت لا ادخل النت إلا نادرا وفي أوقات متباعدة. وبالأمس فقط دخلت مدونتك بعد انقطاع لاقرأ الخبر الصادم الحزين بوفاة هديل رحمها الله وبانتقالها إلى الرفيق الأعلى.
    شخصيا لم أكن اعرف هديل إلا من خلال كتاباتها. لكن مع الأيام تكوّن لديّ انطباع عن إنسانة راقية، خلوقة، محبّة ووفيّة.
    ومثل هذه النوعية من البشر من الصعب أن تعثر عليها هذه الأيام.
    هناك أشخاص نادرون إذا عرفتهم عن قرب خيّل إليك أنهم معجونون من طينة أخرى غير طينة البشر وأنهم ينتمون إلى عالم آخر يشبه عالم الملائكة والقدّيسين.
    تتعرّف على الواحد منهم، تتحدّث إليه وتأنس له وشيئا فشيئا تشعر انه بدأ يتملك قلبك ويستولي على مشاعرك ويأخذ مكانه الأثير.. هناك بين ثنايا النفس وزوايا الروح.
    ومع مرور الوقت يساورك شعور مزعج خفي أن هذا الإنسان لا ينتمي إلى هذه الأرض وانه لا بد ضلّ طريقه إلى هنا وانه سيغادرك عما قريب كي يعود إلى عالمه الخاص النائي والبعيد.
    ايه يا احمد. فليسامحك الربّ. قرأت كلماتك الصادقة والنبيلة فأحزنتني بل والله لقد أبكتني. مع أنني لم اعد اعبأ بالموت كثيرا وصرت أتعامل معه باعتباره حادثة طبيعية لا يملك الإنسان أن يفعل حيالها شيئا.
    رحم الله الأخت العزيزة هديل الحضيف وعظم اجر أهلها في مصابهم وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    ردحذف
  14. اللهم ارحمها برحمتك ..
    فقلبها ينبض حبا بعدد من أحبوها ..بل بأضعاف هذا العدد

    ردحذف