غفوة

24.6.09 0 تعليقات »
كانت كلما أرهقها الركض وسط بحر الحمقى طلبت منه المجيء كي تفضي إليه بما أهمها. «لا تجعلني أتوسل إليك...». كانت كلما أنهكتها تناقضات الرياض لجأت إلى أخذ غفوة قصيرة منتصف اليوم، وكان مكانها المفضل حين تحب أن تغفو بين ذراعيه النحيلتين. كانت تضع رأسها على صدره، ويلف ذراعا حولها. تقول له: «خمس دقائق فقط». مغمضة العينين، تبحث يدها عن يده، وتشبك أصابعها بأصابعه. تتنهد، ثم تبتسم نصف ابتسامة. يراقب ملامح نصف وجهها الجميل المتعب، فيما النصف الآخر غائص في جسده. ينظر إلى المسافة بين حاجبيها، ويتأمل أنفها الذي يحلو له مداعبته كثيرا. «لم أتوقع يوما أن أنفا سيعجبني إلى هذا الحد». يمسد شعرها بأنامله، يطبع قبلة ناعمة على رأسها. يتذكر أمرا يود إخبارها به، لكنه لا يريد أن يزعج غفوتها الآن. يحاول جاهدا أن لا يتحرك على الإطلاق، حتى لا يقلق راحتها المؤقتة. يكتفي بالنظر إليها، والتفكير بما هو آت. يدرك أن القادم لن يكون يسيرا، فيدفن أفكاره في أبعد زاوية من رأسه، ويقرر أن من الأفضل الاستمتاع بهذه اللحظة فحسب. ترفع رأسها قليلا، وتسأله بتبرم ودلال: «هل انتهت الخمس دقائق؟». ليس بعد، يقول لها، «تعلمين أنك تستطيعين البقاء هنا حتى تكتفين».

هي لم تستطع البقاء هنا، وهو لم يكتف أبدا.

ما بعدها

8.6.09 0 تعليقات »
لم يخطر على باله أبدا أن يحدث ما حدث. ليس في هذه المدينة على أي حال. ربما كانت ثقته بأن لا شيء من الممكن أن يحصل بينهما هو ما جعله يتصرف بارتياح، لكنه غير مقتنع بأن هذا هو السبب الحقيقي: هو لا يتظاهر مع الأخريات حتى في حضور الاحتمالات الأخرى. ربما كانت الكيمياء، ربما كانت هي «مختلفة» فحسب، وربما كان الأمر بعضا من كل ما سبق.

زارها في اليوم الذي تلى تلك الحفلة الهادئة. لم يرغب أن تتملك الغرابة صداقتهما إثر تلك الليلة الباردة. كانت الشمس ساطعة أكثر من المعتاد لنهار شتوي، لكنها أرادت أن تبدأ يومها بالمشي في الوادي. قطعا المسافة على مهل، دون أن يخطر ببالهما أن هذا الطريق سيشهد على عبراتهما في غضون أسابيع قليلة. بعد أن عادا إلى المنزل، قضيا معظم الوقت في المطبخ الصغير، يطهوان البيتزا. كان شكل البيتزا غريبا بعض الشيء حين أخرجتها من الفرن، لكن مذاقها كان طيبا. حين اقتربت الساعة من الثامنة، ودعها متمنيا أن تقضي وقتا طيبا في القاهرة حيث ستقضي بضعة أيام في رحلة عمل خلال الأسبوع القادم.

وحيدا في الرياض، تملكه الشوق إليها. اتصل بها قبيل منتصف الليل. المسافة ليست بعيدة، لكن الصوت كان يصل متأخرا. التأخير جعل المكالمة ثقيلة جدا. قالت له قبل أن ينهي المكالمة: «سنتكلم حين أعود»، فرد ببطء: «حسنا». بعد أن وضع هاتفه على الطاولة المزدحمة قال لنفسه: «ماذا لو أني لا أريد أن نتكلم؟...»

لثمة

5.2.09 0 تعليقات »
لم تكن حفلة صاخبة. باستثناء المنزل الباذخ، كانت الحفلة بسيطة في معظم التفاصيل. كان الوقت بعد منتصف الليل بقليل. جلسَت إلى جواره على أريكة أخذت تخلو شيئا فشيئا، قارورة الماء الصغيرة في يدها، فيما كان هو يدخن أرجيلته الأولى -- بحذر وخوف في البداية، ثم بتلذذ وبطء لاحقا. تكلما عن الآخرين، وعنهما. وكلما قال شيئا، سألته: «لماذا؟» فيرد بعد تردد: «لا أدري».

ـ تبدين مرهقة. من الأفضل أن تذهبي إلى المنزل.
ـ حسنا. سأتصل بالسائق.
ـ ما رأيك بالخروج لنتنفس بعض الهواء النقي ريثما يصل السائق.

كان الجو باردا في الخارج. ضمها إليه. اقترح أن ينتظرا في سيارته. الجو داخل السيارة كان باردا أيضا. ضمها أكثر. رأسها في صدره وأنفاسه الدافئة تلفح عنقها. كان مبتسما، يحاول إقناعها أن الجو ليس باردا جدا. ليس إلى هذه الدرجة، على أي حال. لم ترد عليه. جذبت رأسها من صدره، ونظرت في عينيه. همست:

ـ سأفعل هذا مرة واحدة فقط...

الشرفة

4.1.09 3 تعليقات »
وقفنا في شرفة الطابق الحادي عشر للفيصلية، نرقب زحام الرياض بعد منتصف النهار. تاه بصري في الأفق الملوث بالغبار، ورياح يناير الباردة أخذت تعبث بحجابها وعباءتها. كنت مهموما وخائفا، أما هي فبدت جميلة لكن مُتعَبة. أخذَت تلتقف همومي وابتسامة وضاءة تملأ وجهها، ثم تطلقها في السماء. وللحظة، ظننت أني قد أطير مثل عصفور صغير. قلت لنفسي: ربما ما كان ينبغي لها أن تغمرني بلطفها هكذا، أنا لا أستحق كل هذا العناء.

الأبطال الخارقون

17.11.08 1 تعليق »
كم تظلمنا هذه المدينة يا صديقتي. تعاندنا بكل ما أوتيت من صلف وجفاء. رياحها الجافة تفترشنا على امتداد شوارعها القاتمة الطويلة. ضجيجها المزعج المتواصل يصم آذاننا التي ما زالت تحترق بين مساء وآخر. حياتنا هنا، في معظم تفاصيلها، تبدو مثل صفحات نُزعت من قصص مصورة نحن أبطالها الخارقون. نرتدي بزات رثة حتى نستر ضعفنا ونخفي ألواننا الجميلة. نحاول اختلاس لحظات نستطيع فيها إظهار ألواننا؛ لحظات نادرة ومتباعدة للأسف. مغامرات صغيرة لا تكتمل على كل حال. نتعلم أن لا نندم على الفرص الضائعة. يستوطننا الخنوع من حيث ندري ولا ندري. ثم ننسى...

(اعذريني يا صديقتي، أنت تعلمين أني لا أقصد أبدا تعكير صفو الأيام التي لا يلوثها هذري المقيت، لكنني حين أريد الكلام لا أجد حولي من هو أكثر إصغاء.)

الأرشيف