أجمل الأحلام

3.11.09 0 تعليقات »
أرجوحة البالغين لا تشي بأي مرح، وكل هذا الحديث عن الرحيل يقض مضجعي. لا أقدر أن أنام. أقضي الليل بطوله أراقبك وأنت مغمضة العينين. إلى جواري ولستِ إلى جواري. مدينتنا الحمقاء تطردنا صباح مساء، فيما نحن نحاول الاستمتاع بمباهجها الصغيرة، وليتنا نستطيع. أقول لنفسي: لا زال في الحياة فسحة ومتسع. لكنني أخشى أننا نفوّت الكثير. «ماذا لو…؟!» وألف «ماذا لو…؟!» تصفعني كلما لوحتِ لي بيدك البيضاء «إلى اللقاء». الأيام التي تُغيّب حضورك عديمة الفائدة، أمضي ساعاتها البطيئة باحثا عن وجهك الجميل في صفاء الغيوم. سماء الرياض ما عادت عارية، لكنني أخاف أن نظري أقصر من آمالي. والأحلام عديدة، وأجمل الأحلام ليس أقربها. أجمل الأحلام، أصعبها.

أأتمنك

18.10.09 2 تعليقات »
غريب أمر الشوق. أشتاقك كثيرا حين لا أجد إليك سبيلا، ثم أراك وأدرك أني سأشتاقك أكثر. وتسألين: «متى أشوفك؟» فينعقد لساني، وأقول: دعينا نرى كيف تسير الأمور. الأمور، كما أرى، تسير على ما يرام. لكنني أظن أني بدأت أعتاد على حضورك أكثر مما تسمح به هذه المدينة، مع أننا ربما لا نأبه كثيرا بما تسمح أو لا تسمح به الرياض. أشتاقك شوقا جامحا وعنيدا، تبدو معه المسافة التي تفصل بين مقعدينا مثل سني أعمارنا الغضة: عاصفة ووعرة، متسعة الآفاق والأرجاء. هذي المسافة تذرع روحي بالمخاوف والقلق، فأجدني ألتمس الأمان بين جنبيك، وأتمنى حين تصافحينني لو تبقى يدي في يدك إلى الأبد، وأتمنى حين يتملكني الخوف أن أرتمي بين ذراعيك وأدفن رأسي في صدرك فلا أرى أحدا ولا يراني أحد. أنت الوحيدة التي لا أخجل من الإسرار إليها بضعفي، لأني أثق بك. ولأني أثق بك، فإنني أريد أن أأتمنك على أحلامي وأيامي وجنوني. أريد أن أأتمنك على أحزاني القديمة، وجروح لمّا تلتئم، وأسرار ينوء بحملها صدري. أريد أن أأتمنك على روايات لم تحكى بعد، وأغان لم تكتب بعد، وأسفار لم تقطع بعد. أريد أن أأتمنك على الماضي وعلى الآتي، وكل ما بينهما من تيه وسلام وأوطان تحرقها الشمس. أعلم أني أطلب الكثير. أنا ولد مدلل. هل تصبرين في جنبي؟

عشاء

12.10.09 0 تعليقات »
مساء عادي جدا. في المطبخ الصغير تدير هي دفة الطهو، فيما هو يلعب دور المساعد المطيع. يعملان، يتكلمان، يتغامزان، يتغازلان.. يصمتان لبرهة فتطلب منه أن يضع بعض الموسيقى. يبحث عن أغاني «دار ويليامز» في «الآيبود نانو». يرفع الصوت قليلا، ثم يعود إلى المطبخ. انتهى العمل، وبقي الانتظار إلى أن ينضج الطعام. يسند ظهره إلى الجدار. ينظر إليها فتبتسم له. تقترب منه: «ما الذي تفكر فيه؟» يرد عليها: «لا شيء». دوما تسأله ما الذي يفكر فيه، ودوما يكرر نفس الجواب، وطبعا هي لا تصدقه أبدا: «لا بد أن أمرا ما يدور في هذه الرأس!». يبتسم، فتلثمه وتلثمه وتلثمه. تحيط خصره بذراعيها ولا يتحرك هو من مكانه. ينتهي إغماضهما في ذات اللحظة.

أصبح الطعام جاهزا. تسكب «الباستا» في صحنين عميقين، ويحملهما إلى غرفة الجلوس. يتجاهل طاولة الطعام ويتجه إلى النصف الآخر من الغرفة. يضعهما على طاولة القهوة المستطيلة ذات اللون البني الداكن. تأتي هي حاملة كأسا من الماء وشوكتين وملعقتين، ويعود هو إلى المطبخ ليحضر وعاء السلطة وزجاجة الكولا. يتذكر أنه نسي الملح لكنه يقرر أن لا يرجع مرة أخرى لإحضاره. الملح لا يستحق العناء. يخلعان أحذيتهما ويجلسان على الأرض. التلفزيون أمامهما يعلن الأخبار بصوت خافت دون أن يعيرانه اهتماما. تسأله إن كان طعم الأكل يعجبه فيجيب بـ«نعم». تتسع أحداقها قليلا في استغراب من جوابه المقتضب. يتذكر تهديدها القديم بأنها لن تطبخ معه مرة أخرى إن كان طعامها لا يعجبه: «لا، حقا، إنه جد طيب ...» جواب آخر لا يقنعها، لكنها تحب دماثته فلا ترميه بسؤال آخر.

بأقدام حافية يحملان الصحون والكؤوس إلى المطبخ. يعودان إلى الصالة، هذه المرة يجلسان على الأريكة الطويلة. تُطفأ الأضواء معلنة انطلاق ماراثون آخر من حلقات مسلسل «ويدز». يضع ذراعه حولها: يشاهدان حلقة تلو أخرى، يضحكان، يطلقان آهات التعجب، يداعب أنفها، تحتضن يده في يدها... ويمضي بعض الوقت قبل أن يجدها قد غفت على صدره. يقبلها على جبينها: «أنت متعبة، يجب أن تأوي إلى الفراش.» تومئ بالإيجاب. مساء عادي جدا؟ ربما.. لا..

الليلة

25.9.09 1 تعليق »
كان وجهها آخر ما فكرت فيه قبل أن أنام، وحين استيقظت كان كل ما أردته هو أن أزورها، أطرق بابها وأخبرها كم هي جميلة جدا، وشفافة جدا، وأنني ولد عادي جدا، وأنه لا ينبغي لها أن تهتم لأمري، لكنها تفعل، بكل عذوبة وحنان، وعطفها يمنحني جناحين من نور، أحلق بهما في الآفاق الوردية، أعبر حقولا محرمة وحدودا لا نعترف بها، وأننا منذ التقينا ونهارات الصحراء غدت حيية على غير عادتها، ومساءات الصيف صارت أندى وألطف. آه، لو كانت هنا الليلة...

مجرد ولد

7.9.09 2 تعليقات »
حسنا، إليك هذا الاعتراف: مضت مدة طويلة وأنا أحاول أن ألملم شتات كلماتي وأكتب لك شيئا قد تستمتعين بقراءته، لكنني كلما حاولت ذلك، وجدت نفسي ولغتي نتبادل الخذلان. لا أدري ما الذي يحصل بالضبط، لكن يبدو لي أن معظم الكلمات الجميلة تحمر خجلا حين تلتمس مقاربة لبهائك، ثم تقول لي بصوت غير مسموع: «خـلاااااص!». أفكر فيما بيننا، فأجد الأسئلة تتلاعب بالأجوبة. لست أرى ضيرا في ذلك، فلطالما تعلقت بالأسئلة أكثر من الأجوبة، ولطالما فضلت النهايات المفتوحة على الأمور التي تنتهي إلى دائرة كاملة.

معكِ، أشعر أنني أعيد اكتشاف نفسي من جديد، وأزور أركانا في دواخلي كنت أفضل فيما مضى تركها في سبات عميق. إنه أمر مثير، لكنه مخيف أيضا، ولهذا أريد أن أمضي على مهل، وأود أن أنعم بالأمان قبل أن أتوغل أكثر. ربما تستطيعين الإمساك بيدي، والسير معي خطوة بخطوة، حتى نصل إلى مكان تطمئن فيه ذواتنا القلقة، ونكون فيه أقوى على مواجهة غيلان الماضي وأشباح الظلام. أدرك تماما كما أنا محظوظ حين التقيتك، وأنك اليوم إلى جواري في وقت أحوج ما أكون فيه إلى سلام.

أنت تعجبينني كثيرا، لكن كما قلت لك يوما ما: أنا لست سهلا، وسأصيبك بالملل. أعلم أن هذا الكلام قد لا يقنعك، بيد أنني لا أستطيع الامتناع عن التصريح به كلما نظرت إلى نفسي. لا بأس، فقط تذكري أني مجرد ولد: مزعج ومزاجي، غريب الأطوار وكثير التذمر. سأعجبك حينا، وسأتعبك أحيانا، وسأزعجك في أحايين كثيرة. أرجو أن لا تكرهيني، فأنا، في النهاية، مجرد ولد.

الأرشيف